[نصوص] قراءة أدبية:
اقرأ واكتب فلسطين
تقدّم هذه الصفحة الكتّاب الكوريين والفلسطينيين الذين شاركوا في فعالية «أمسية قراءة أدبية — اقرأ واكتب فلسطين»، التي نظّمتها حركة المتضامنين مع الشعب الفلسطيني في 29 أغسطس/آب 2026، كما تعرّف بالأعمال التي قرأها المشاركون وبمجموعة مختارة من المواد المرجعية.
الكتّاب المشاركون
كيم نام إيل، روائي · مدير الجلسة

روائي حائز على عدد من الجوائز، من بينها جائزة جون تاي إيل الأدبية، وقد كان في طليعة حركة أدب عالمي غير غربي تربط بين فيتنام وفلسطين. ومنذ مطلع الألفية، كان من الشخصيات الرائدة في التعريف بالأدب الفلسطيني في كوريا، بما في ذلك أعمال غسان كنفاني. كما قاد أنشطة للتضامن مع فلسطين، من بينها «جسر إلى فلسطين»، إلى جانب المجلة الفصلية «آسيا» ومنتدى ALAA. ويدير حاليًا مجموعة «السجل والذاكرة»، وهي مجموعة للكتّاب تُعنى بقراءة فلسطين والسير في دروبها، مواصلًا بذلك فتح مسارات للتضامن.
كيم سون هيانغ، شاعرة

منذ ظهورها الأدبي الأول عام 2005 في مجلة الأدب والممارسة، واجهت كيم سون هيانغ في شعرها بصورة مباشرة المعاناة الاجتماعية والمرتبطة بالنوع الاجتماعي التي تعيشها النساء المهاجرات والعمال وغيرهم. ومن خلال تدريسها للطلاب الأجانب والمهاجرين، مارست بنفسها دور الداعم والحامي لهم على المستويين النفسي والقانوني. وبروح لا تساوم على الحرية والمقاومة، كما تعبّر عنها العبارة «ترفض أن تُروَّض حتى النهاية، إلى أن تقلب العربة في نهاية المطاف»، تكتب شعرًا ينجذب إلى الكائنات والحيوات التي لا تُعد جميلة بالمعايير السائدة ولا تحظى بالاهتمام. كما تنشر قصائد تضامن مع فلسطين، وترثي وتوثّق مآسي المهمشين وما يتعرضون له من معاناة.
بو هي ريونغ، روائية

كاتبة تجمع بين كتابة الرواية وترجمة أبرز الأعمال الأدبية العالمية، وقد قدّمت للقراء أكثر من ثمانين كتابًا. تتميز كتابتها بلغة صافية تكشف عن كرامة الحياة، وبنظرة حانية تجاه الكائنات الصغيرة التي كثيرًا ما تمر من دون أن يلتفت إليها أحد. وواصلت التبادل الأدبي عبر الحدود، ومن ذلك مشاركتها في حوار مع الروائية الفلسطينية عدنية شبلي خلال زيارتها إلى كوريا. وتلتقط في أعمالها بعمق كرامة الأرواح الصغيرة والبريئة التي لا بد لها من الاستمرار في الحياة حتى وسط الواقع المأساوي للحرب واللجوء.
بارك تشول، شاعر

منذ ظهوره الأدبي الأول عام 1987، كتب بارك تشول عن الواقع القاسي وحياة الناس البسطاء الذين يعانون الفقر، بلغة تحمل الدفء والأمل. ويتمسك بمبدأ أن يكون الشعر وحده وسيلته للحوار مع العالم. وقد نال عددًا من الجوائز، من بينها جائزة يي يوك سا للشعر، وواصل من خلال أعماله التعمق في واقع بلد منقسم وفي وعي التضامن بين أبناء الشعب. ومن خلال اهتمامه بالمهمشين وبالجوانب المظلمة من الحياة، يحوّل أحزان العالم إلى طاقة من التفاؤل والحيوية.
لي كيونغ ران، روائية

منذ ظهورها الأدبي الأول عام 2018، ركزت لي كيونغ ران في كتاباتها على صراع الفئات المهمشة من أجل البقاء وعلى روابط التضامن الدافئة التي تنشأ من الرعاية المتبادلة. ومن خلال لغة حسية وبحث دقيق، تواجه واقع الفقر وبطالة الشباب وغيرهما من القضايا الاجتماعية. وفي تناولها لرواية عدنية شبلي تفصيل ثانوي، أكدت بقوة أن مأساة غزة ليست شأنًا بعيدًا لا يعنينا. وانطلاقًا من إيمانها بأن «على الأديب بطبيعة الحال أن ينتبه إلى الأقليات المهمشة»، تستجيب بعمق لآلام الآخرين.
عيسى قراقع

وزير فلسطيني سابق لشؤون الأسرى ورئيس سابق للمكتبة الوطنية الفلسطينية، وهو من أبرز الموثقين والنقاد لأدب السجون الفلسطيني. واستنادًا إلى تجربته الشخصية، إذ تعرّض للاعتقال أكثر من عشر مرات على مدى اثني عشر عامًا، يشهد بصورة مباشرة على التعذيب الإسرائيلي وواقع الاحتلال. ويعيد تقديم اللاجئين والأسرى ليس بوصفهم مجرد ضحايا، بل باعتبارهم «فاعلين يقودون النضال الوطني ويصوغون الهوية». وحتى وسط المأساة في قطاع غزة، يواصل تضامنه ومقاومته من خلال الأدب، مؤكدًا أن «من يكتب لا يُهزم».
أحلام بشارات

أحلام بشارات كاتبة وشاعرة فلسطينية، ومن أبرز الكاتبات العربيات في مجال أدب اليافعين وكتب الأطفال المصوّرة. ويتناول كتابها الصادر حديثًا سيرة الحقل سلسلة من النباتات البرية التي تنمو في الطبيعة الفلسطينية. ويعالج الكتاب واقعًا يسعى فيه الاحتلال الإسرائيلي إلى الاستيلاء ليس فقط على الأرض التي تنمو فيها هذه النباتات، بل حتى على النباتات نفسها.
الأعمال المقروءة
العنوان: الصبية الذين يرمون الحجارة | الكاتبة: كيم سون هيانغ | قراءة: الشاعرة كيم سون هيانغ
الصبيان الذين يرمون الحجارة
كيم سون هيانغ
كانت الساعة الثالثة بعد الظهر
كنا نرمي الحجارة
وفجأة بدأ الجنود المسلحون
يطلقون النار
رصاصة في ظهري
ورصاصة في بطني
وبينما كانوا يجرّونني من ساقيّ بعدما سقطت
إلى مكان ما، قالوا
أمك عاهرة، يا ابن الكلب!
(بالمناسبة، اسمي رفعت، وعمري سبعة عشر عامًا)
بدأت أحشائي تنكشف من بطني
وعندما فتحت عينيّ، كنت في مستشفى الشفاء في مدينة غزة
يبدو أن سيارة إسعاف تابعة للأمم المتحدة كانت تمرّ مصادفة فأنقذتني
أمشي وأنا أعرج
أتسألون إن كان أصدقائي يسخرون مني؟
أبدًا، يقولون إنهم يحترمونني
فحبيبتي أُصيبت بالرصاص في كلتا عينيها
أحيانًا أغرق في اليأس وأبكي
ثم أهزّ رأسي بقوة وأضحك
هل أصبحتُ حقًا بطلًا؟
العنوان: أدبي وفلسطين | الكاتبة: بو هي ريونغ | قراءة: الروائية بو هي ريونغ
أدبي وفلسطين
بو هي ريونغ
قالت الكاتبة الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب، توني موريسون، إن الكاتب لا ينبغي له، من أجل كتابة كتاب، أن يسرق شيئًا من الكائنات الحية، كالأشجار والفراشات والبشر. وقالت إن هذا ما تفعله كائنات السُّكوبوس التي تغوي البشر في أحلامهم العذبة وتسلب منهم جوهر الحياة. فلكل إنسان حق الملكية وحق الاختراع في حياته الخاصة، ولذلك فإن فعلًا كهذا يشبه انتهاك حقوق التأليف والنشر. وقد بقيت كلماتها طويلًا في ذاكرتي لأنها لامست مسألة لطالما شغلتني.
أحيانًا يتخذ الكتّاب من مشاهد الألم التي كشف عنها التاريخ، أو من وقائع المجازر، مادة لأعمالهم، رغم أنهم لم يعيشوها بأنفسهم. ومن بين الأعمال التي نسمّيها روائع، هناك الكثير من هذا النوع على وجه الخصوص. وكنت أسأل نفسي أحيانًا: هل يجوز لي أن أتناول الألم والظلم والعبث الذي عاشه شخص آخر غيري؟ ألا يكون ذلك، كما أشارت توني موريسون، سرقةً لشيء ثمين؟ وإذا ذهبنا إلى أقصى حد في القول، أليس الكاتب كائنًا شبيهًا بالضبع؟ كائنًا لا بد أن يظهر في مسرح مذبحة غارق بالدماء. كائنًا يلتهم ما تبقى كله، متذرعًا بالتطهير والتوثيق، حتى لا يترك شيئًا. كانت هذه الشكوك تجعلني دائمًا أتردد أمام آلام الآخرين.
لكن ما حطم هذه الشكوك تمامًا كان صور أطفال فلسطين في قطاع غزة. كانت صور الأطفال الذين يعانون الجوع بسبب الحصار، والأطفال الذين فقدوا أجزاء من أجسادهم بسبب إطلاق النار المتعمد والمتفجرات من جانب الجيش الإسرائيلي، مروعة إلى درجة أنني لم أكن أطيق النظر إليها مباشرة. وبوصفي إنسانة عادية، وأمًا ربّت طفلًا أيضًا، شعرت في الوقت نفسه بغضب يغلي في داخلي وبعجز حزين. ووفقًا لتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، فقد قُتل ما لا يقل عن 20,179 طفلًا خلال نحو عامين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. كيف تجرأت قيادة إسرائيل وجيشها على ارتكاب جرائم كهذه؟ فكرت: إن الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في غزة هي جريمة البشرية كلها؛ جريمة لا بد أن يكون شركاء فيها من يعرفون ويسمحون بها، ومن يتظاهرون بعدم المعرفة ويغمضون أعينهم، وحتى من لم يكونوا يعرفون أصلًا. وسيأتي يوم تدفع فيه البشرية ثمن هذه الجريمة.
عدتُ من جديد أبحث في التاريخ المتشابك بين فلسطين وإسرائيل. تعرّفت إلى الإمبريالية البريطانية والفرنسية، وإلى قيام إسرائيل الذي انبثق من معاداة السامية المتجذرة في أوروبا، وإلى النكبة في 15 مايو/أيار 1948، وإلى الحروب العربية الإسرائيلية الأربع، والانتفاضتين، والحروب الخمس في غزة. وتعرّفت أيضًا إلى المستوطنات الإسرائيلية التي، وإن كانت نتيجة للحرب، تشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، وإلى اتفاقيتي أوسلو لعامي 1993 و1995 اللتين انتهتا إلى مجرد قصاصات ورق فارغة. وأدركت أن بناء المستوطنات والطرق الالتفافية المخصصة لليهود يؤدي إلى تفتيت الأراضي الفلسطينية، والاستيلاء على الموارد الضرورية للريف الفلسطيني، مثل الأراضي الزراعية والمياه، ويعرقل بذلك التنمية الاقتصادية وحياة الفلسطينيين الحرة، في محاولة لارتكاب إبادة جماعية غير مباشرة.
دفعتني مأساة غزة إلى أن أقرأ، مع أعضاء نادي القراءة الذي أشارك فيه، أعمال كتّاب وشعراء فلسطينيين. قرأنا شعر محمود درويش، وروايات غسان كنفاني، وديوانًا لزكريا محمد، ومقالات لمريد البرغوثي. ثم، في أحد أيام العام الماضي، صادفت بالصدفة نصًا لعلاء القيسي نشرته المترجمة سيو جي-إن على إنستغرام. وقد صدمني بقدر ما صدمتني صور أطفال غزة. قرأت كل ما استطعت العثور عليه من كتاباته على الإنترنت. وسأقتبس مقطعًا من نص بعنوان «تحت صرخات الجوع»:
«عندما يقلب العالم الصفحة أخيرًا، إن جاء ذلك اليوم حقًا، فلن يستطيع العالم أن يقول إن غزة كانت صامتة. ولن يستطيع أن يظن أننا اختفينا من دون أن نقول شيئًا. لقد تكلمنا حتى وأفواهنا ممتلئة بالتراب. وغنينا حتى من بين أسناننا المكسورة. وصلّينا حتى على رُكَبنا المحطمة. وربما أدار العالم وجهه عنا، لكن دعوا هذا على الأقل يبقى في الذاكرة: لقد أعطينا لهذا الجوع اسمًا. تحملناه وصمدنا أمامه. دعوا هذا، على الأقل، يبقى.»
أمام هذه الصرخة، انهارت شكوكي الواهنة مرة أخرى. ما الأدب؟ إنه ذلك الجهد الذي يرفض أن يغمض عينيه أو يسد أذنيه أمام العنف والألم والعبث التي ظلت موجودة في العالم منذ بدء تاريخ البشرية، وأمام مقاومة كل ذلك؛ جهد ينفجر في هيئة صرخة. ذلك هو الأدب. أن ننفخ في البوق، ونقرع الـ«كْوِينغْغْواري»، ونضرب الطبول، بل وأن نطرق قدرًا بملعقة إن لزم الأمر، فنُحدث ضجيجًا يوقظ العالم. ذلك هو الأدب. وأن نجعل «هذا على الأقل يُذكر، وهذا على الأقل يبقى»؛ تلك هي مسؤولية من يكتب. أطفال فلسطين وكتّابها وشعراؤها هم الذين جعلوني أدرك ذلك. شكرًا لكم.
العنوان: وفقا لذاكرة أمي | الكاتب: بارك تشول | قراءة: الشاعر بارك تشول
وفقًا لذاكرة أمي
بارك تشول
لم يوجد قط عالم بلا حرب
ولم يأتِ زمن توقّف فيه إزهاق الأرواح من أجل إنهاء الحرب
ولم تختفِ يومًا الكلمات التي تقتل السلام من أجل السلام
لذلك، يا صديقي
دعنا اليوم نفكر فقط في نظرة أمي
وفقًا لذاكرة أمي
حين كان اللحم يتمزق والدم يسيل
لم يكن في وسعنا أن نفكر في أي شيء
لم نكن نعرف ما الذي يأتي، ومن أين، ولماذا
ولم نكن نعرف لماذا كان علينا أن نموت هكذا
المشكلة هي ما يأتي بعد ذلك
انظر إليّ يا بني، ألم أصبح حجرًا؟
ألم أصبح حجرًا ثم أنجبك؟
لقد أنجبتك وأنا أحمل كل ما عشته من قتل وفزع وخوف
فكم من الألم والادعاءات أيضًا
وكم من أنهار الدم عليك أن تغرق فيها؟
وفقًا لذاكرتي
القتل قتل
إذا متَّ مرة فلن تعود إلى الأبد
والحرب التي تبدأ مرة لا تنتهي إلى الأبد
وما دمت حيّة، فلن تنتهي حربي أيضًا
قبل أن نتمكن حتى من قول الوداع
وقبل أن نتمكن حتى من قول أحبك
نتبخر دون أن يعلم أحد
فهل يوجد في هذا العالم
أو في أي مكان في الكون حيوان أحمق كهذا؟
لقد أصبحتُ حمقاء هكذا
وفقًا لذاكرتي، نحن
وقعنا تحت تعويذة يلد فيها الأحمق أحمق، ويلد الأحمق أحمق
ولكن وفقًا لذاكرة أمي أيضًا
لم توجد قط تعويذة لا يمكن كسرها
سيأتي يوم نستيقظ فيه من هذا الكابوس أيضًا
وعندها فقط سيصبح الطفل طفلًا
وتصبح الأم أمًا
وتعود زهور السوسن التي كانت تحبس أنفاسها عند طرف الفناء
وشجرة الستيراكس المتفحمة إلى الحياة أيضًا
لذلك، أرجوك، حتى يأتي ذلك اليوم
يا صديقي، يا فلسطين، كوني بخير
العنوان: تفصيل ليس ثانويًا | الكاتبة: لي كيونغ ران | قراءة: الروائية لي كيونغ ران
تفصيل ليس ثانويًا
لي كيونغ ران
هنا امرأة تسلك طريقًا محفوفًا بالمخاطر. هي فلسطينية وتعيش في رام الله. وجهتها تل أبيب وشمال غرب النقب. هناك توجد متاحف ودور للمحفوظات. غير أن الرحلة إلى مكان لا يستغرق الوصول إليه بالسيارة سوى ساعة أو ساعتين ليست رحلة بسيطة. إنها رحلة للوصول إلى حقيقة واقعة تريد التحقق منها.
تعيش المرأة في منطقة مقيّدة، فتستعير من زميل لها بطاقة ائتمان وبطاقة هوية، وتنطلق بالسيارة. أما الواقعة التي تريد التحقق منها، فهي حادثة وقعت قبل يوم ولادتها بخمسة وعشرين عامًا بالضبط: فتاة اغتصبها جنود إسرائيليون جماعيًا وقتلوها، ثم دفنوها في الصحراء. حدث ذلك عام 1949، بعد عام واحد من الحرب التي يحزن عليها الفلسطينيون ويسمونها «النكبة»، بينما يحتفل بها الإسرائيليون ويسمونها حرب الاستقلال. هذا هو محتوى رواية «تفصيل ثانوي» لأدانيا شبلي، الكاتبة والباحثة الثقافية المولودة في الجليل بفلسطين (ترجمة جيون سونغ-هي إلى الكورية، منشورات كانغ).
يتناول الجزء الأول من الرواية حادثة الفتاة. قائد الفصيلة، وهو الجاني، شخصية تتمسك بشدة بالنظام والنظافة، والتفاصيل الدقيقة التي تُروى من حوله تجعل القارئ يتعاطف معه أثناء تقدمه في القراءة. لكن هذا الرجل، الذي بلغ به الهوس بالنظافة حدَّ تطهير الفتاة الضحية بالبنزين، يتحول في لحظة إلى جانٍ عديم الرحمة، فيصاب القارئ بالارتباك. ويجد القارئ نفسه بلا أي دفاع أمام العنف الهائل والمأساة اللذين يقعان بعد تلك «التفاصيل البسيطة» التي كان الرجل يحافظ عليها. وفي الجزء الثاني، نتابع رحلة «أنا» الخطرة بقلق لا يفارقنا منذ البداية حتى النهاية، ثم نجد أنفسنا أمام خاتمة تُقتل فيها «أنا» برصاص جندي إسرائيلي، من دون أن تتمكن من بلوغ وجهتها حتى بعد أن يتغير اليوم.
كان من المقرر أن تحصل الكاتبة على جائزة ليبراتور في معرض فرانكفورت للكتاب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. لكن بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، أعلن معرض الكتاب تضامنه مع إسرائيل وأجّل حفل تسليم الجائزة. ووصف ناقد ألماني العمل بأنه معادٍ للسامية.
قطاع غزة، الذي كان يوصف بأنه أكبر سجن على وجه الأرض، لم يعد الآن مجرد سجن. فلم يعد مكانًا تُقيَّد فيه الحرية فحسب، بل أصبح مكانًا يتعايش فيه «الموت» و«عدم الموت بعد».
قالت الكاتبة في مقابلة إن حتى الماعز يدرك أن رفيقًا له يُساق إلى المسلخ. ثم تساءلت: فكيف يمكن للإنسان ألا يعرف ذلك؟ نحن نعرف. وحتى إن لم نتمكن من معرفته فورًا، فإن الأجيال اللاحقة ستعرفه يومًا ما. ثم يحدث الشيء نفسه من جديد. إنه ليس غريبًا علينا. فالتاريخ الطويل الذي ظل يتكرر علّمنا ذلك، طبقة بعد طبقة. إنه ليس أمرًا بسيطًا.
قراءات لفلسطينيين مقيمين في كوريا
في القدس | تميم البرغوثي [قراءة: فلسطينية من غزة]
مَرَرْنَا عَلَى دَارِ الحَبيبِ فَرَدَّنا *** عَنِ الدَّارِ قانون الأَعادِي وَسورُها
فَقُلْتُ لِنَفْسِي رُبَّما هِيَ نِعْمَةٌ *** فَماذا تَرَى فِي القُدْسِ حِينَ تَرُورُها ؟
تَرَى كُلَّ ما لا تَسْتَطِيعُ احْتِمَالَهُ *** إذا ما بَدَتْ مِنْ جَانِـبِ الدَّرْبِ دورُها
وما كُلُّ نَفْسٍ حِينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُسَرُّ *** وَلَا كُلُّ الغِيابِ يُضيرُها
فَإِنْ سَرَّها قَبْلَ الفِراقِ لِقَاؤُهُ * فَلَيْسَ بِمَأْمُونِ عَلَيْهَا سُرُورُها
مَتَى تُبْصِرِ القُدْسَ العَتِيقَةَ مَرَّةً *** فَسَوْفَ تَراها العَيْنُ حَيْثُ تُديرها
فِي القُدْسِ، بَائِعُ خُضْرَةٍ مِنْ جُورْجِيا بَرِمٌ بِزَوْجَتِهِ يُفَكِّرُ فِي قَضاءِ إِجازَةٍ أَوْ فِي طِلاءِ البَيْتِ
فِي القُدْسِ، تَوْرَاةٌ وَكَهْلٌ جَاءَ مِنْ مَنْهَاتِنَ العُلْيا يُفَقِّهُ فِتْيَةَ البُولُونِ فِي أَحْكامِها
فِي القُدْسِ شُرْطِيٌّ مِنَ الأَحْبَاشِ يُغْلِقُ شارعاً فِي السُّوقِ ..
رَشَّاشٌ عَلَى مُسْتَوْطِنٍ لَمْ يَبْلُغَ العِشْرِينَ، قُبَّعَةٌ تُحَيِّي حَائِطَ المَبْكَى
وَسُيَّاحٌ مِنَ الإِفْرَنْجِ شُقْرٌ لا يَرَوْنَ القُدْسَ إطلاقاً، تَرَاهُمْ يَأْخُذُونَ لِبَعْضِهِمْ صُوَرًا مَعَ امْرَأَةٍ تَبِيعُ الفِجْلَ فِي
الساحاتِ طُولَ اليَوْمِ
فِي القُدْسِ دَبَّ الجُنْدُ مُنْتَعِلِينَ فَوْقَ الغَيْمِ
في القُدْسِ صَلَّيْنَا عَلَى الأَسْفَلْتِ…
فِي القُدْسِ مَنْ فِي القُدْسِ إِلَّا أَنْتَ!
الشهيد | عبد الرحيم محمود [قراءة: فلسطينية من غزة]
سَأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي *** وَأُلْقِي بِها فِي مَهَاوِي الرَّدَى
فَإِمَّا حَيَاةٌ تَسُرُّ الصَّدِيقَ *** وَإِمَّا مَمَاتٌ يَغِيظُ العِدى
وَنَفْسُ الشَّرِيفِ لَها غايَتَانِ *** وُرُودُ المَنايا وَنَيْلُ المُنَى
وما العيش ؟ لا عاشْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ *** مَخُوفَ الجَنابِ حَرامَ الحِمَى
إِذا قُلْتُ أَصْغَى لِيَ العَالَمُونَ *** وَدَوَّى مَقَالِي بَيْنَ الْوَرَى
لَعَمْرُكَ إِنِّي أَرَى مَصْرَعِي *** وَلَكِنْ أُخِذُ إِلَيْهِ الخُطَى
أَرَى مَصْرَعِي دُونَ حَقِّي السَّلِيبِ *** وَدُونَ بِلادِي هُوَ الْمَبْتَغَى
بِقَلْبِي سَأَرْمِي وُجُوهَ العُدَاةِ *** فَقَلْبِي حَدِيدٌ وَنَارِي لَظَى
وَأَحْمِي حِياضِي بِحَدِّ الحُسامِ *** فَيَعْلَمُ قَوْمِي أَنِّي الفَتَى
على هذه الأرض ما يستحق الحياة | محمود درويش [قراءة: فلسطينية من غزة]
عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ:
تَرَدُّدُ إِبْرِيلَ، رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفَجْرِ،
آراءُ امْرَأَةٍ فِي الرِّجالِ، عُشْبٌ عَلَى حَجَرٍ،
أُمَّهَاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ،
وَخَوْفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرَياتِ.
عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ:
نَهَايَةُ أَبْرِيلَ، سَيِّدَةُ الأَرْضِ،
أمُّ البدايات، أمُّ النهايات …
كانَتْ تُسَمَّى فَلَسْطِين، صَارَتْ تُسَمَّى فَلَسْطِين.
سَيِّدَتي : أَسْتَحِقُّ ، لأَنَّكِ سَيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ!
رجال في الشمس | غسان كنفاني [قراءة: منتهى]
القبر
قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجهاً إلى خارج المدينة النائمة.. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة.. وسوف يعم الظلام.. فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت.
انحرف بسيارته عن الطريق الأسفلت ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء. لقد قر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم، واحداً واحداً، في ثلاثة قبور.. أما الآن فإنه يحس بالتعب يتآكله فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر.. لا طاقة له على العمل.. ولن يكون بوسعه أن يحمل الرفش ساعات طويلة ليحفر ثلاثة قبور.. قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كاراج الحاج رضا قال في ذات نفسه أنه لن يدفنهم، بل سيلقي بالأجساد الثلاثة في الصحراء ويكر عائداً إلى بيته.. الآن، لم تعجبه الفكرة، لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء، ثم تكون نهباً للجوارح والحيوانات.. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل.
درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي، ومضى هو يفكر.. لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح، كانت أشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف أو ترابط أو تفسير.. وكان يشعر بإرهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل.
هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة.. قال في ذات نفسه هنا تكوم البلدية القمامة. ثم فكر: لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح، ولدفنت بإشراف الحكومة. دوّر مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرين وسار متمهلاً على ضوء الفانوسين الصغيرين، وحين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عالية أطفأ الفانوسين الصغيرين.. كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه ولكنه ما لبث أن اعتادها.. ثم أوقف سيارته وهبط.
وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتأكد من أن أحداً لا يشاهده ثم صعد ظهر الخزان. كان بارداً رطباً.. دور القفل المضلع ببطء ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع.. اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة. كانت الجثة الأولى باردة صلبة، ألقى بها فوق كتفيه أخرج الرأس أولاً من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق وسمع صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان ثم صوت ارتطامها المخنوق على الرمل لقد لاقى صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه.. مستقيمة متشنجة وسمع صوت ارتطامها بالأرض.. أما الجثة الثالثة فقد كانت أسهل من أختيها..
قفز إلى الخارج وأغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفاً مطبقاً وأحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه، جرّ الجثث – واحدة واحدة – من أقدامها وألقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
صعد إلى مقعده ودور المحرك ثم كر عائداً إلى الوراء ببطء محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالآثار الأخرى، كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماماً.. ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطاً، فأطفأ محرك سيارته من جديد وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث فأخرج النقود من جيوبها، وانتزع ساعة مروان وعاد أدراجه إلى السيارة ماشياً على حافتي حذائه.
حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقاً إلى فوق تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه.. بقي واقفاً متشنجاً في مكانه محاولاً أن يفعل شيئاً، أو يقول شيئاً.. فكر أن يصيح إلا إنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة، حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا إنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل.. لقد شعر بأن رأسه على وشك أن ينفجر، وصعد كل التعب الذي كان يحسه فجأة، إلى رأسه وأخذ يطن فيه حتى إنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة.. ولكنها كانت ما تزال هناك.. كبيرة داوية ضخمة لا تتزعزع ولا تتوارى التفت إلى الوراء حيث ألقى بالجثث، إلا إنه لم ير شيئاً، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراماً فبدأت تشتعل في رأسه.. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جبينه وحدق في العتمة وسع حدقتيه.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه
- لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟…
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود:
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا.
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا ؟
انتهت